( قوي الحارة )
بنيّ , نحن شعب يغذيّ الإشاعة , بل ويحب تصديقها ويعشق تأكيدها وزيادتها والحرص على إستمرارها . حينما تظهر عليك إشاعة ما , وأنت تعلم تمام العلم بأنها غير صحيحة , ولكنها تصب في مصلحتك , فلا تحاول أبدا تأكيدها أو نفيها , كذلك لاتحاول أبدا تجربتها .
حينما كنت طالبا في المدرسة الإبتدائية , كان كل شيء صارما , كل شيء قوي , كل شيء ساخط , متذمر , متسلط , كاره لكل شيء . بدءا من مدرسي المدرسة وإنتهاء بأقوياء المدرسة - وهم بالمناسبة أطفال مثلنا ولكن الله حباهم ببعض القوة والجسارة - هؤلاء الأقوياء يتسابق الضعفاء الى تقديم الولاءات لهم , والإنصياع لأوامرهم , مبتسمين تحرقهم الذلة , مسرعين تخوفهم أنواع العقابات المختلفة , منقادين خانعين وخاضعين بخشوع - فرضته عليهم الخشية والإنكسار . فتجدهم يقدمون جزءا من فسحتهم اليومية لهم , سواءا كانت هذه الفسحة ريالات بسيطة أو شطائر جبن يابسة . كل هذا لأجل كسب القوي وعدم إغضابه , وكذلك طلبا لفزعته عند الحاجة أو تنمر قوي آخر عليه . وكان هذا القوي - والقوي هو الله عز وجل - يقوم بتأمين الحماية وكذلك الإستبداد والتسلط بحسب مزاجيته .
حدث أن قدم إلى مدرستنا فتى في الصف الخامس الإبتدائي , منقولا من مدرسة في حي آخر , ولا أعلم تحديدا من أطلق إشاعة حول هذا الفتى , فدبت في أرجاء المدرسة إشاعة مفادها " أن هذا الطالب قد نقل من مدرسته السابقة الى هذه المدرسة تأديبا له لأنه قد ضرب مدرسا حتى أدماه , وسبب له إرتجاجا في المخ " , ثم تطورت الإشاعة شيئا فشيئا بين الطلاب حتى يأتيك من يحلف بأن ولد خالته كان يدرس مع هذا الطالب وأن هذا الطالب قد سجن في الأحداث أكثر مرة بسبب مشاكل كثيرة , ومن يؤكد أن هذا الطالب خطر جدا , وأن أربعة طلاب قد كسرت أرجلهم بسببه لأنهم حاولوا فقط أخذ الكرة منه أثناء لعبهم كرة القدم .
أعود لقصة الطالب الجديد , هذا الفتى إسمه " عبدالرزاق " , حينما أتى لم يكن في شكله أو طريقة حديثه مايوحي بأنه شرير , ولكن هي الإشاعة قد صورته لنا وكأن أنيابه بارزة وعضلاته مفتولة , تتأهب القتال . للحق كانت بنيته الجسمانية ممتازة , كان طويلا يفوقنا طولا بمراحل , كان حاد الملامح دقيق القسمات , وكان فيه شيء طريف كانت كفه كبيرة بشكل ملاحظ - سبحان الله - آنذاك لم نكن نراها إلا مرزبة قد إشتاقت الى ضرب الآخرين .
بادر الضعفاء الى محاولة الإحتكاك به وتقديم الولاء له أيضا , فهذا ديدن عامة الناس , ولا أخفيك بأنه كان لطيفا مع الآخرين وليس مثل من عهدنا من الأقوياء المتنمرين .
اما بقية فتوات المدرسة فلقد أنقسموا إلى قسمين , قسم يؤمن بمقولة (( يد ماتقواها , صافحها )) , وقسم آخر يؤمن بمقولة (( يدي لو عاسرتني , قطعتها )) . فالقسم الأول حاول مصادقة عبدالرزاق , والقسم الآخر إرتأى أن يتحداه ويتغلب عليه لتصبح الزعامة المطلقة لهم . أما عبدالرزاق فكان يصادق من يصادقه , ويتحاشى من يحاول الإعتداء عليه ويبتعد عنهم , ولكن هذا التصرف يعتبر لديهم درجة من درجات الإنتقاص ويزيد الحقد والغل في قلوبهم .
أما الضعفاء كان لديهم ذلك المخطط الشيطاني فهم ليسوا ملائكة كما يبدو عليهم , فأنطلقوا يغذون مشاعر الحقد في قلب عبدالرزاق ويملون عليه مبادئ الرد بالمثل وأخذ الحق وعدم التسامح وووو إلخ , وقد أفلحوا في ذلك حتى أصبح عبدالرزاق متأهبا للنزال , لا لشيء ولا لسبب سابق سوى أن قوته على المحك وأن الكثيرين قد بدأو بتكذيب تلك الاشاعة عن قوته الخارقة .
تقدم عبدالرزاق وإنصاع للنزال المزعوم , وحدث اللقاء في الباحة الخلفية حيث لا مدرسين ولا لجنة نظام ولا دبابيس ينقلون الحدث الى مدير المدرسة أو وكليها البغيض . وفي أول لحظات الصراع الكبير وعلى حلبة التحدي في ميدان الرجولة المزعومة , تقدم أشرس فتوات المدرسة وأقواهم على الإطلاق , ذلك القصير " فهد " , وقبل أن يرمش جفن أي متابع , وجه يده المبسوطة إلى خد عبدالرزاق بقوة وسرعة لم نرها في حياتنا كلها . سرعة خاطفة دون كلام , دون حديث (( إبدأ ,, لا لن أبدأ إبدأ أنت ,, لن أبدا حتى تبدأ ,, ... )) . إحمر وجه عبدالرزاق , إمتلأ حمرة حتى أقصاه , يخيل إلي الآن بأن الدم في جسمه كله قد إجتمع في وجهه تلك اللحظة , إنتفخت أوداجه وبرزت عروق جبهته وأنتفض جسمه , كل ذلك في لحظات بسيطة لاتتجاوز عشر ثوان , الكل مترقب , الكل ينظر بإندهاش كبير , نظرات الجمهور تتحرك بين فهد وعبدالرزاق بحثا عن ردة الفعل التالية .
ساد الصمت في المدرسة أياما بعد تلك الحادثة , لم يجرؤ أحد على ذكرها إلا همسا , وكان من الهمس (( عبدالرزاق نقل الى مدرسة اخرى )) , فيجيب المهموس له (( ياخي أشرف له )) , فيتدخل ثالث (( عقب ذاك الصياح ماله وجه يقعد في المدرسة , أخوي الصغير اذا طقيته مايصيح مثله)) .